أحمد بن محمود السيواسي
203
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
بعد ما عقمت النساء أربعين سنة وأدرك الصغائر على دين آبائهم وماتت البهائم بآجالهم . [ سورة هود ( 11 ) : آية 44 ] وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 44 ) ثم أهلكوا بالطوفان فأخبر اللّه تعالى إيماء إلى قدرته بقوله ( وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ) أي ادخلي الماء الذي خرج منك فيك ( وَيا سَماءُ أَقْلِعِي ) أي أمسكي عن إنزال المطر وكانت قبل ذلك لا تقلع ( وَغِيضَ الْماءُ ) أي انتقص ، من غاض إذا نقص وهو متعد ولازم ( وَقُضِيَ الْأَمْرُ ) أي فرغ من إغراق الكفار ومن إنجاء المؤمنين ( وَاسْتَوَتْ ) أي استقرت السفينة ( عَلَى الْجُودِيِّ ) وهو جبل بأرض الجزيرة بقرب الموصل ( وَقِيلَ بُعْداً ) أي هلاكا ، من بعد بعدا وبعدا ( لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) [ 44 ] أي الكافرين المكذبين برسل اللّه من رحمة اللّه ، عن قتادة : « كانت السفينة في الماء خمسين ومائة يوم واستقرت بهم على الجودي شهرا وهبط بهم يوم عاشوراء » « 1 » ، فصام نوح عليه السّلام يوم الهبوط وأمر من معه من المؤمنين فصاموا شكرا للّه تعالى « 2 » . وروي : أن نوحا بعث الغراب ليأتيه بخبر الأرض فوقع على جيفة فلم يرجع ، فبعث الحمامة فجاءت بورق زيتون في منقارها ولطخت رجلها بالطين ، فعلم نوح أن الماء قد نبض فدعا على الغراب بالخوف ، ولذا لا يألف البيوت ودعا للحمامة بالأمان فمن ثم تألف البيوت « 3 » . وروي : أنه ما نجا من الكفار من الغرق غير عوج بن عنق ، وكان سبب نجاته أن نوحا احتاج إلى خشب ساج للسفينة فلم يمكنه نقله ، فحمله عوج إليه من الشام فأنجاه اللّه من الغرق « 4 » . [ سورة هود ( 11 ) : آية 45 ] وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ ( 45 ) ( وَنادى ) أي أراد الدعاء ( نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ ) بالفاء ولو قصد النداء نفسه لقال « قال » بغير فاء استئنافا ( رَبِّ إِنَّ ابْنِي ) كنعان ( مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ ) وقد وعدتني أن تنجيني وأهلي ولا خلف في وعدك ( وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ ) [ 45 ] أي أعلمهم وأعدلهم ، لأن حكمك بالعدل تحكم على قوم بالنجاة وعلى قوم بالهلاك لحكمة تعلمها ونحن لا نعلمها . [ سورة هود ( 11 ) : آية 46 ] قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 46 ) ( قالَ ) اللّه ( يا نُوحُ إِنَّهُ ) أي إن ابنك ( لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ) الذين وعدتك أن أنجيهم ( إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ ) قرئ بكسر الميم وفتح اللام ونصب « غير » ، أي عمل عمل المشركين دون عمل المؤمنين ، وبفتح الميم ورفع اللام وتنوينه ورفع « غير » « 5 » ، أي ذو عمل غير صالح أو جعلت ذاته عملا غير صالح مبالغة في ذمه ، وهو تعليل لانتفاء كونه من أهله ، وقيل : الضمير في « إِنَّهُ » لنداء نوح عليه السّلام « 6 » ، أي إن السؤال إياي أن أنجيه عمل غير صالح ، لأنه التماس غير صواب ، وأنت تعلمه وليس بشيء ، وإنما لم يقل عمل فاسق ليؤذن أن النجاة بسبب الصلاح فقط ( فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) أي لا تلتمس مني شيئا حتى تقف على كنهه بالصواب أو بغير الصواب ، وذكر السؤال يدل على أن النداء كان قبل أن يغرق حين خاف عليه ، وإنما سمي دعاؤه سؤالا مع أنه لا سؤال فيه ، لأنه دعاءه قد تضمن معنى السؤال لذكره الموعد بنجاة أهله في وقت مشارفة ولده الغرق ،
--> ( 1 ) انظر الكشاف ، 3 / 40 . ( 2 ) نقله عن البغوي ، 3 / 213 - 214 ؛ أو الكشاف ، 3 / 40 . ( 3 ) أخذه عن السمرقندي ، 2 / 128 . ( 4 ) نقله المصنف عن البغوي ، 3 / 214 . ( 5 ) « عمل غير » : قرأ الكسائي ويعقوب بكسر الميم وفتح اللام وحذف تنوينها ونصب راء « غير » ، والباقون بفتح الميم ورفع اللام وتنوينها ورفع راء « غير » . البدور الزاهرة ، 155 . ( 6 ) أخذه عن الكشاف ، 3 / 41 .